تحليل قصائد الشعر الحر المشهورة "الكوليرا" -لنازك الملائكة

 تحليل قصيدة "الكوليرا" لشاعره نازك الملائكة 

💫مقدمة عن القصيده :

قصيدة “الكوليرا” تُعد من أهم القصائد في تاريخ الأدب العربي الحديث، لأنها كانت البداية الحقيقية لظهور الشعر الحر. كتبتها الشاعرة نازك الملائكة عام 1947 بعد أن سمعت عن انتشار مرض الكوليرا في مصر، وعن أصوات الناس الذين يموتون يوميًا بسبب الوباء. تأثرت نازك بالمأساة إلى حدٍّ كبير، فعبّرت عنها شعريًا بلغة حزينة وصادقة، خارج قيود الوزن والقافية.


💭الفكرة العامة :

تتحدث قصيدة "الكوليرا" عن انتشار مرضٍ مميتٍ في مصر تسبب في موت عددٍ كبير من الناس، وعن مشاعر الخوف والحزن التي عاشها الناس أثناء ذلك.
الشاعرة نازك الملائكة كانت تستمع إلى أخبار المرض، فشعرت بألمٍ شديد تجاه ما يحدث، وأرادت أن تعبّر عن هذا الألم بطريقة جديدة ومؤثرة.

في القصيدة، تُصوّر نازك الأصوات الحزينة وصرخات المرضى وصوت العربات التي تحمل الموتى، حتى يشعر القارئ وكأنه يعيش تلك المأساة.
لكنها لا تتحدث فقط عن الكوليرا كمرض، بل تريد أن تُظهر ضعف الإنسان أمام الموت، ورحمة قلبه تجاه الآخرين، والخوف من أن يفقد أحبّته.

💫إذاً القصيدة  تعبّر عن الحزن والخوف من الموت الذي ينتشر بين الناس بسبب مرض الكوليرا، وعن الألم الإنساني الذي يوحّد البشر في مواجهة المعاناة.

🎨 شرح وتحليل القصيدة :

المقطع الاول :

سكَن الليلُ

أصغِ إلى وَقْع صَدَى الأنَّاتْ

في عُمْق الظلمةِ، تحتَ الصمتِ، على الأمواتْ

صَرخَاتٌ تعلو، تضطربُ

حزنٌ يتدفقُ، يلتهبُ

يتعثَّر فيه صَدى الآهاتْ

في كل فؤادٍ غليانُ

في الكوخِ الساكنِ أحزانُ

في كل مكانٍ روحٌ تصرخُ في الظُلُماتْ

في كلِّ مكانٍ يبكي صوتْ

هذا ما قد مَزّقَهُ الموتْ

الموتُ الموتُ الموتْ

يا حُزْنَ النيلِ الصارخِ مما فعلَ الموتْ

الشرح :
بدأت الشاعرة قصيدتها بتحديد الزمن، وهو الليل الذي يعبّر عن الظلام ويمثّل رمزًا للمرض والحزن والآهات التي تملأ البيوت، وقد ضمّنت هذا المقطع العديد من الصور الفنية، فقد شبّهت الحزن من كثرته بالماء المتدفق، وقلب الإنسان من شدة ألمه وحسرته كالقِدر الذي يغلي فيه الماء، كما شبهت نهر النيل -وهو كناية عن المكان الذي حلّ فيه الوباء- بالإنسان المريض الذي يصرخ من شدة الألم، ويُلاحظ في هذا المقطع تكرار لفظ الموت، مما يدل على شموليته واجتياحه وسيطرته على جميع الأمكنة في مصر، فهذا الوباء يدعو الإنسان إلى الصراخ والأنين ويولّد الموت.

المقطع الثاني :

طَلَع الفجرُ

أصغِ إلى وَقْع خُطَى الماشينْ

في صمتِ الفجْر، أصِخْ، انظُرْ ركبَ الباكين

عشرةُ أمواتٍ، عشرونا

لا تُحْصِ أصِخْ للباكينا

اسمعْ صوتَ الطِّفْل المسكين

مَوْتَى، مَوْتَى، ضاعَ العددُ

مَوْتَى، موتَى، لم يَبْقَ غَدُ

في كلِّ مكانٍ جَسَدٌ يندُبُه محزونْ

لا لحظَةَ إخلادٍ لا صَمْتْ

هذا ما فعلتْ كفُّ الموتْ

الموتُ الموتُ الموتْ

تشكو البشريّةُ تشكو ما يرتكبُ الموتْ

الشرح:
تُشير الشاعرة هنا إلى أنّ الوباء بدأ بحصد المزيد من الأرواح، فأعداد الضحايا في تزايد، وكأنّ الموت إنسان لا يرى فيسير ويقضي على الجميع دون أن يفرّق بين أحد؛ فلا يفرّق بين طفل صغير مسكين ولا شيخ كبير مفجوع، وفي تعبير "كفّ الموت" كناية عن شدّته وقسوته بسبب وباء الكوليرا، وفي هذا المقطع أيضًا كررت الشاعرة لفظ الموت لتؤكد على مدى سيطرته .

المقطع الثالث :

الكوليرا

في كَهْفِ الرُّعْب مع الأشلاءْ

في صمْت الأبدِ القاسي حيثُ الموتُ دواءْ

استيقظَ داءُ الكوليرا

حقْدًا يتدفّقُ موْتورا

هبطَ الوادي المرِحَ الوُضّاءْ

يصرخُ مضطربًا مجنونا

لا يسمَعُ صوتَ الباكينا

في كلِّ مكانٍ خلَّفَ مخلبُهُ أصداءْ

في كوخ الفلاّحة في البيتْ

لا شيءَ سوى صرَخات الموتْ

الموتُ الموتُ الموتْ

الشرح :
تُشير الشاعرة في هذا المقطع إلى أنّ مصر تحولت إلى كهف يضمّ جثث الموتى وجسد المرضى الذين يصرخون من الألم، وقد كانت ترى أنّ الموت كالدواء فيه راحة من الألم والعناء، لكنّ هذا الوباء استيقظ وبثّ حقده الذي أصبح يتدفق كالماء حتى أنّ الطبيعة الجمبلة صرخت من هول الموقف؛ فلم يكن الموت هنا راحة، وما زالت أصوات الصراخ والبكاء والآهات مستمرة، تاركةً أثرها في كل بيت في مصر، وجاء ذلك مؤكدًا بتكرار لفظ الموت.

المقطع الرابع :

في شخص الكوليرا القاسي ينتقمُ الموتْ

الصمتُ مريرْ

لا شيءَ سوى رجْعِ التكبيرْ

حتّى حَفّارُ القبر ثَوَى لم يبقَ نَصِيرْ

الجامعُ ماتَ مؤذّنُهُ

الميّتُ من سيؤبّنُهُ

لم يبقَ سوى نوْحٍ وزفيرْ

الطفلُ بلا أمٍّ وأبِ

يبكي من قلبٍ ملتهِبِ

وغدًا لا شكَّ سيلقفُهُ الداءُ الشرّيرْ

يا شبَحَ الهيْضة ما أبقيتْ

لا شيءَ سوى أحزانِ الموتْ

الموتُ، الموتُ، الموتْ

يا مصرُ شعوري مزَّقَهُ ما فعلَ الموتْ

الشرح :
تُؤكد الشاعرة في المقطع الأخير أنّ هذا الوباء الذي تجسّد الموت فيه لينتقم من البشرية لم يترك سوى الألم والنّواح والحزن المنتشر في كلّ مكان، ومن كثرة الموت لن يجد الميت من يتذكره ومن يدفنه ويُصلي عليه، فالكلّ مشغول في هول ما أصابه، مع تكرار لفظ الموت أيضًا، وتؤكد الشاعرة في النهاية على حزنها الشخصي على مصر وما حلّ بها.





 لسماع قصيدة الكوليرا 



مُقدم من : فاطمة حسن الشحية 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الشِّعر الحُرّ

تحليل قصائد الشعر الحر المشهوره (فكر بغيرك)- لمحمود درويش

تحليل قصائد الشعر الحر المشهورة "أنشودة المطر" - لبدر شاكر السّياب